*الحرب تجاوزت نقطة اللاعودة قراءة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان "بيان السريع هل جاء محبطا وبطيئا؟"*
تاريخ الحلقة: 28.03.2026
*مقدمة:*
تشير التطورات الأخيرة في الميدان إلى انتقال الحرب من طور “الإدارة” إلى طور “الحسم”، وهو انتقال لا يُقاس فقط بحجم النيران أو اتساع الجغرافيا، بل بطبيعة الأهداف وأنماط التشغيل. وفق القراءة التي يقدمها ميخائيل عوض، لم تعد الحرب الحالية قابلة للاحتواء ضمن قواعد الاشتباك التقليدية، بل تجاوزتها إلى فضاء استراتيجي مفتوح حيث تتلاشى الحدود بين العسكري والاقتصادي، وبين الجبهة والعمق، وبين الفعل العسكري والفعل السياسي.
إن هذا التحول يعكس انهيار نموذج “الحروب المحدودة” الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود نمط جديد من الحروب الشاملة متعددة الجبهات حيث تُستهدف البنية التحتية الاستراتيجية و
تُدمج الجبهات ضمن منظومة عملياتية واحدة وتنسيق ناري عالي. ليُعاد تعريف النصر بوصفه سيطرة كلية لا إنجازاً مرحلياً.
ضمن هذا السياق، تبرز ثلاثة محاور مركزية في طرح عوض تشكل مفاتيح فهم لحظة التحول:
- دخول اليمن وتحول “وحدة الساحات” إلى “وحدة الجبهات”
- الأداء الإيراني والفجوة بين القدرة والتوظيف
- نظرية “الضربات الكاسرة” كقاعدة حسم.
*أولاً: وحدة الجبهات من التعدد إلى التكامل*
يمثل دخول اليمن في الحرب، وفق طرح عوض، نقطة انعطاف نوعية لا بسبب الإضافة العددية لجبهة جديدة، بل بسبب التحول في بنية إدارة الحرب من التوازي إلى التكامل.
سابقاً كانت وحدة الساحات (لبنان، غزة، العراق…)
واستقلالية نسبية في القرار
وغياب التزامن العملياتي
حالياً تبرز وحدة القتال وتنسيق ناري وزمني ضمن توزيع أدوار
واشتغال ضمن سيناريو عملياتي موحد. هذا التحول وفق عوض يعادل عسكرياً الانتقال من
(تحالف فضفاض) إلى(قيادة مسرح موحد).
وفي البعد العملياتي يقرأ عوض في تنسيق النيران لتفكيك دفاعات العدو، وأن إعلان التنسيق بين اليمن، إيران،
ولبنان يعني عملياً توزيع الضربات زمنياً لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي
وخلق “تشبع ناري” ما يؤدي لتقليص فعالية القبة الدفاعية
ورفع احتمالية الاختراقات النوعية.
*ثانيًا: اليمن قبضة النار مركز الثقل الاستراتيجي*
يمتلك اليمن ميزة لا تتوفر لبقية الجبهات وفق طرح عوض وهي
التحكم في مضيق باب المندب.
السيناريو الذي يطرحه عوض
هو إغلاق المضيق وفرض حصار بحري على إسرائيل
مما سيؤدي إلى شلّ سلاسل الإمداد وخنق الاقتصاد الإسرائيلي تماما، إضافة إلى
تهديد التجارة العالمية ما يعني نقل الحرب من إقليمية إلى شبه كونية. هنا يتحول اليمن من “جبهة مساندة” إلى:
مركز ثقل كاسر في الحرب.
أما عن البعد البنيوي في دخول الحرب يرى عوض أن استثمار البيئة القتالية اليمنية يفرض عناصر قوة نوعية خاصة مع ما يتمتع فيه اليمن من جغرافيا حصينة وخبرة قتالية طويلة، إضافة إلى تماسك القرار السياسي–العسكري.
وهذا يجعل من اليمن ساحة مثالية لحرب استنزاف بحرية–صاروخية
ومنصة لإطلاق ضربات غير تقليدية.
*ثالثًا: الأداء الإيراني – فجوة بين القدرة والتوظيف*
يقرأ عوض في المعضلة الاستراتيجية الإيرانية، فإيران
قدرات صاروخية متقدمة
وعمقاً استراتيجياً وشبكة حلفاء
لكن المشكلة تكمن حتى الآن في عدم توظيف هذه القدرات بما يتناسب مع مستوى التهديد
وتتجلى مظاهر الفجوة حسب عوض في ردود إيران التقليدية على الاعتداءات و
بضربات محسوبة وتجنب التصعيد الكاسر وعدم استخدام القدرات النوعية الكامنة، ما يمكن أن يؤدي مع استمرار هذا النهج إلى غياب المفاجأة الاستراتيجية خاصة مع الاكتفاء بردع محدود واستمرار عقل “إدارة التصعيد”وليس عقل “الحسم”.
يمكن تفسير هذا التباين بين القدرات والتوظيف وفق عوض عبر ثلاث فرضيات ضمنية في :
1. *الحذر من الحرب الشاملة*
بتجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة
2. *حسابات الكلفة*
لحماية الداخل والبنية التحتية
3. *اختلاف تعريف النصر*
إيران ترى النصر عبر إدارة التوازن بينما يرى عوض أن النصر عبر فرض الحسم.
هذه الفجوة تؤدي إلىإطالة أمد الحرب ومنح الخصم هامش المبادرة إضافة إلى تقويض أثر وحدة القتال في الجبهات.
*رابعًا: بين الإحباط الظاهري وبناء الحسم في توقيت ودلالات الرد اليمني*
وفق قراءة عوض، لا يمكن توصيف بيان المتحدث العسكري اليمني يحيى سريع بأنه “محبط وبطيء” إلا ضمن إطار قراءة سطحية تحاكم الفعل العسكري بمنطق التوقعات الإعلامية لا بمنطق التخطيط الاستراتيجي؛ إذ يرى عوض أن ما بدا تباطؤًا هو في الحقيقة تعبير عن انتقال مدروس من ردّ الفعل إلى بناء مسار حرب، حيث لم يكتفِ البيان بإعلان ضربات تقليدية باتت ضمن حسابات العدو، بل حدّد سقفًا استراتيجيًا عاليًا للأهداف—يتعلق بالحسم وإلحاق الهزيمة لا بمجرد الرد—وأعلن، بشكل غير مباشر، الدخول في منظومة “وحدة الجبهات وتنسيق النار القتالي” عبر التنسيق مع إيران ولبنان، وهو تطور نوعي يتجاوز بكثير قيمة الضربة ذاتها إلى دلالتها التشغيلية. وبهذا المعنى، فإن ما اعتُبر بطئًا هو في تقدير عوض زمنُ تهيئة المسرح العملياتي وتوزيع الأدوار بين الجبهات، وما اعتُبر إحباطًا هو في الواقع امتناع عن استنزاف الأدوات في ضربات استعراضية غير حاسمة، لصالح بناء لحظة “الضربة الكاسرة” ضمن سياق متكامل. وعليه، فإن البيان لا يُقرأ كحدث مستقل، بل كإعلان دخول واعٍ في حرب ذات أهداف قصوى، حيث تُقدَّم العقلانية العملياتية والانضباط الاستراتيجي على الإشباع اللحظي للرأي العام، بما يعكس تحوّلًا من منطق الرد إلى منطق الحسم.
*خامسًا: “الضربات الكاسرة” – قاعدة الحسم في الحرب*
ضمن الإطار التحليلي الذي يقدّمه عوض، تتبلور “نظرية الضربات الكاسرة” بوصفها القاعدة الناظمة للانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه، حيث لا تُفهم الضربة الكاسرة كمجرد تصعيد كمي في مستوى النيران، بل كفعل عسكري مركّب يستهدف البنية العميقة لقدرة الخصم على الاستمرار، أي إرادته القتالية قبل إمكاناته المادية. فهي تقوم على توجيه ضربات مركزة إلى العقد الحيوية في بنية العدو—سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو لوجستية—بكثافة نارية عالية، وفي توقيت مفاجئ، بما يُحدث صدمة مركبة تتجاوز أثر التدمير المباشر إلى تفكيك منظومة القرار والقيادة. وبهذا المعنى، تفترق هذه النظرية جذريًا عن منطق الردع التقليدي الذي يسعى إلى ضبط التصعيد والحفاظ على التوازن، إذ تستهدف الضربات الكاسرة كسر هذا التوازن ذاته وفرض تفوق حاسم يفضي إلى إنهاء الصراع لا إدارته. وفي تطبيقاتها كما يلمّح عوض، يمكن أن تتخذ شكل ضرب البنية الاقتصادية الحيوية، أو تعطيل الممرات البحرية الاستراتيجية، أو استهداف العمق العملياتي للخصم، بما ينقل الحرب إلى مستوى لا يستطيع العدو احتماله أو التكيف معه. وعلى الرغم من تقاطع هذا المفهوم مع نظريات مثل “الصدمة والترويع” أو “حرب الإرادة”، إلا أنه يتجاوزها عبر ربط الفعل العسكري مباشرة بنتيجة سياسية نهائية، بحيث تصبح الضربة أداة لإنتاج الحسم الشامل، لا مجرد وسيلة لتحسين شروط التفاوض أو تعديل ميزان الردع.
*سادسًا: مسارات التقدير المستقبلي*
تشير القراءة الاستراتيجية المستندة إلى طرح ميخائيل عوض إلى أن الحرب الراهنة تجاوزت الأطر الكلاسيكية للصراعات، ودخلت طورًا تحوليًا يعيد تعريف قواعد الاشتباك ومنطق الحسم. وفي ضوء هذا التحول البنيوي—من جبهات منفصلة إلى مسرح عمليات موحد—ومع بروز أدوار حاسمة مثل مركزية اليمن كفاعل بحري–اقتصادي، واستمرار الضربات الإيرانية بين القدرة والقرار، وتزايد الحاجة إلى “الضربات الكاسرة”، يمكن رسم مسارين رئيسيين لمآلات الصراع:
*أولاً: مسار الحسم*
يقوم هذا المسار على انتقال فعلي من إدارة الصراع إلى فرض نهاياته، عبر تفعيل كامل لمنظومة “وحدة القتال” بما تعنيه من تنسيق ناري وزمني عابر للجبهات، واستخدام ضربات كاسرة تستهدف البنى الحرجة للخصم وتكسر إرادته القتالية وتهدف إلى تسريع انهيار التوازنات الدفاعية وفرض واقع ميداني جديد يترجم إلى مكسب سياسي شامل.
في هذا السيناريو، تصبح الحرب أداة لإعادة تشكيل موازين القوة، لا مجرد وسيلة ضغط أو تفاوض.
*ثانياً: مسار الاستنزاف الطويل*
ينتج هذا المسار عن تعثر الانتقال إلى الحسم، ويقوم على
استمرار التردد في توظيف القدرات النوعية، وتفكك أو محدودية التنسيق بين الجبهات
بقاء العمليات ضمن سقف “الردود المحسوبة”.
ما يؤدي إلى وفق عوض إلى
إطالة أمد الحرب واستنزاف الموارد دون تحقيق اختراق حاسم، ثم تحوّل الصراع إلى نزاع مفتوح منخفض الحسم وعالي الكلفة
تتمحور المعضلة الاستراتيجية، كما يطرحها عوض، حول الانتقال من امتلاك القوة إلى قرار استخدامها بكامل طاقتها. فالحرب لم تعد اختبارًا لموازين القوى بقدر ما أصبحت اختبارًا للإرادة السياسية–العسكرية في الذهاب إلى النهاية.
فالمنطق الذي يحكم المسارات المقبلة ليس من يمتلك القوة
بل من يملك الجرأة على توظيفها لتحقيق الحسم.
*خاتمة:*
تُفضي القراءة المستندة إلى طرح ميخائيل عوض إلى أن الحرب الراهنة لم تعد حدثًا عسكريًا تقليديًا، بل لحظة تحوّل بنيوي في طبيعة الصراع، حيث تتداخل الجبهات، وتُدمج الأدوات، وتُعاد صياغة معايير النصر والهزيمة. إن الانتقال من “وحدة الساحات” إلى “وحدة الجبهات”، مع بروز أدوار حاسمة كدور اليمن في التحكم بالفضاء البحري، يكشف أن مركز الثقل لم يعد ثابتًا، بل بات متحركًا وموزعًا ضمن شبكة عملياتية مترابطة.
في المقابل، تبرز المعضلة الحاسمة في الفجوة بين امتلاك القدرات وتفعيلها، كما في الحالة الإيرانية، حيث لا يعود ميزان القوة وحده كافيًا، بل يتقدم عليه عامل القرار. وهنا تتبلور “الضربات الكاسرة” كشرط موضوعي للانتقال من منطق الاستنزاف إلى منطق الحسم، باعتبارها الأداة القادرة على كسر الإرادة لا مجرد إضعاف القدرات.
وعليه، فإن الحرب تقف على عتبة مفصلية، إما أن تتحول إلى حرب حسم تعيد تشكيل التوازنات وتفرض واقعا جديدًا، أو تنزلق إلى استنزاف طويل يعيد إنتاج الأزمات دون حسمها. وفي كلا الحالين، لم يعد معيار التفوق هو حجم القوة فقط، بل القدرة على توظيفها في اللحظة المناسبة وبالسقف الذي يفرض النهاية.


